دَائِمًا كانَ اللهُ مَوْجُودًا في كِتاباتي، وَفي نَفْسي، وَفي تَفْكيري. لَكِنَّ الأَخْطَرَ في وُجودِ اللهِ في نَفْسي هُوَ أَنَّهُ كانَ يُخيفُني. نَعَم، السَّبَبُ الأَساسِيُّ لِوُجودِ اللهِ هُوَ الخَوْفُ.
كُلَّ مَرَّةٍ كُنْتُ أُفَكِّرُ فيها في الأَخْلاقِ، كانَتِ الأَخْلاقُ شَيْئًا أَساسِيًّا في هذِهِ الحَياةِ. فَالأَخْلاقُ هِيَ الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُنْقِذُنا مِن شَريعَةِ الغابَةِ. إِذًا، الأَخْلاقُ لَيْسَتْ لِأَخْلاقِها نَتَّجِهُ لَها وَنَكونُ بِها، وَإِنَّما كَيْ تَحْمِيَنا مِنَ المَوْتِ، مِنَ الخَوْفِ الأَزَلِيِّ القادِمِ الَّذي لا مَحالَةَ قادِمٌ. هَذا هُوَ بِالضَّبْطِ ما أُفَكِّرُ فيهِ وَأُحاوِلُ مِن خِلالِهِ أَنْ أَفْهَمَ إِنْسانِيَّتي. حَتّى كَلِمَةُ «إِنْسانِيَّتي» في حَدِّ ذاتِها هِيَ مِنَ المُؤانَسَةِ. فَعِنْدَما تَكونُ وَحيدًا، بِكُلِّ بَساطَةٍ أَنْتَ خائِفٌ، فَتَرْجِعُ إِلى إِنْسانِيَّتِكَ وَتَرْجِعُ إِلى رَغْبَتِكَ في الاِجْتِماعِ. إِنَّهُ الخَوْفُ الأَزَلِيُّ، الخَوْفُ مِنَ المَوْتِ، الخَوْفُ المَزْروعُ بِكُلِّ ذَرَّةٍ مِن كِيانِكَ.
الخَوْفُ يُحيطُ بِكَ مِثْلَ الزُّجاجِ العازِلِ، يَجْعَلُكَ لا تُغامِرُ. نَعَم، لا تُغامِرُ. كُنْتُ خائِفًا مِنْ أَلّا يَجْرِيَ كُلُّ شَيْءٍ كَما هُوَ مُخَطَّطٌ لَهُ. كُنْتُ خائِفًا مِنَ الزَّواجِ وَفِقْدانِ أَبْنائِكَ بَعْدَ كُلِّ هَذا الاِسْتِثْمارِ. كُنْتُ خائِفًا مِنَ الفَقْرِ، لِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ تُعاشِرُ النِّساءَ لِأَنَّكَ كُنْتَ خائِفًا مِن حَديثِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ يَقولُ: «بَشِّرِ الزَّانِيَ بِالفَقْرِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».
إِنَّهُ الفَقْرُ الَّذي يَمْنَعُكَ مِنْ أَنْ تَكونَ أَنْتَ، إِنَّهُ الخَوْفُ الَّذي يَزْرَعُ فيكَ أَخْلاقًا عالِيَةً. هذِهِ الأَخْلاقُ العالِيَةُ هِيَ بِحَدِّ ذاتِها خَوْفٌ مِن خَوْفٍ. هَلِ التَّجَرُّدُ مِنَ الأَخْلاقِ هُوَ القُوَّةُ؟ لا تَسْتَطيعُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ جِلْدِكَ. لِماذا أَصْحابُ الجَرائِمِ وَالجَواسيسِ أَقْوِياءُ؟ لِأَنَّهُمْ بِبَساطَةٍ لا يَرَوْنَ أَخْلاقًا، وَلا يَرَوْنَ تَقْييدًا لِأَنْفُسِهِمْ. إِنَّهُ شَيْءٌ غَريبٌ حَقًّا، شَيْءٌ مَقِيتٌ حَقًّا، أَنْ يَمْلِكَكَ الخَوْفُ، أَنْ يَمْلِكَ فيكَ كُلَّ شَيْءٍ، أَنْ يَمْلِكَ فيكَ حَتّى إِنْسانِيَّتَكَ.
الخَوْفُ يَجْعَلُكَ لا تَرَى المُسْتَقْبَلَ. الخَوْفُ بِحَدِّ ذاتِهِ هُوَ عَمًى، لا يَجْعَلُكَ تَرَى إِنْسانِيَّتَكَ وَقُوَّتَكَ في اجْتِماعِ الآخَرينَ. أَنْتَ إِنْسانٌ بِطَبيعَةِ الحالِ مِنَ المُؤانَسَةِ، وَلَكِنَّ هذِهِ المُؤانَسَةَ بِحَدِّ ذاتِها لَيْسَتْ جُزْءًا مِنْكَ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنْ هذِهِ المُؤانَسَةِ، فَما كانَتْ هذِهِ المُؤانَسَةُ؟ الخَوْفُ يَجْعَلُكَ لا تَكونُ أَنْتَ، يَقْتُلُ فيكَ النَّظَرَ إِلى المُسْتَقْبَلِ. هَذا هُوَ أَعْنَفُ وَأَشْنَعُ ما يَفْعَلُهُ بِكَ الخَوْفُ.
هُناكَ شَيْءٌ ثَقيلٌ عِنْدَما أَتَحَدَّثُ، فَأَكونُ كَمَنْ يَكْتُبُ. وَعِنْدَما أَكْتُبُ، فَكَأَنِّي أَتَصَنَّعُ العِباراتِ وَأَذوقُها.
الخَوْفُ مِنَ الخَوْفِ، الخَوْفُ الَّذي يُزْرَعُ مِنَ الصِّغَرِ، إِلى أَنْ يُصْبِحَ وَحْشًا في المُراهَقَةِ وَالكِبَرِ. ذلِكَ الخَوْفُ المُسْتَمِرُّ إِلى الأَبَدِ، المُنْطَلِقُ إِلى بُعْدٍ غَريبٍ، الَّذي يَأْخُذُكَ إِلى عالَمِ الهَلْوَسَةِ وَالجُنونِ الَّذي لا يَنْتَهي. إِنَّهُ في وَقْتٍ مُحَدَّدٍ، مَعْرِفَةٌ بِالعَذابِ، وَالكَشْفُ عَنْ وَجْهِ الجُنونِ، وَالوُقوفُ قُبالَةَ عَيْنَيْهِ. ذلِكَ الخَوْفُ الرَّهِيبُ، إِنَّهُ المَوْتُ بَطيءَ الحَرَكَةِ، وَهِيَ نِهاياتُ العُمْرِ.
معتز عمرين