يوميات المهاجر

تَجْرِبَةُ اللُّجُوءِ في فِنْلَنْدا

15 سبتمبر 2026 — لقطة 10

عِنْدَما قَدَّمْتُ طَلَبَ اللُّجُوءِ وَالحِمايَةِ مِنَ الحُكومَةِ الفِنْلَنْدِيَّةِ، كانَ ذلِكَ في شَمالِ البِلادِ، عَلى ساحِلِ البَحْرِ، حَيْثُ الأَشْجارُ الكَثيرَةُ، وَالمُسْتَنْقَعاتُ، وَمَحَطّاتُ القِطارِ الَّتي يَنْتَظِرُ عِنْدَها شَخْصٌ أَوِ اثْنانِ، مَعَ اسْمِ المَدينَةِ المَكْتوبِ بِالأَزْرَقِ، وَالكَثيرِ مِنَ العَجَزَةِ وَالنّاسِ الَّذينَ لا يَضْحَكونَ وَلا يَعْبَسونَ، مِثْلَ الخَريفِ وَالشِّتاءِ الطَّويلِ المُرْتَبِطِ بِالظُّلْمَةِ الَّتي لا تَنْتَهي.

قَدَّمْتُ طَلَبَ اللُّجُوءِ في الصَّيْفِ، في مَخْفَرٍ صَغيرٍ لِلشُّرْطَةِ لا يُوجَدُ فيهِ شَخْصٌ واحِدٌ. عِنْدَما قَرَأْتُ ما عَلى البابِ، طُلِبَ مِنِّي الاِنْتِظارُ. عِنْدَما دَخَلْتُ، لَمْ يَأْخُذوا سِوى تاريخِ مِيلادي. مِنْ ذلِكَ الوَقْتِ عَرَفْتُ أَنَّ تاريخَ المِيلادِ أَهَمُّ مِنَ الاِسْمِ. فَالاِسْمُ تَسْتَطيعُ بِكُلِّ بَساطَةٍ أَنْ تُغَيِّرَهُ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَلَكِنَّ تاريخَ مِيلادِكَ مُرْتَبِطٌ بِالسِّجِلّاتِ الحُكومِيَّةِ الرَّصينَةِ الَّتي لا يَسْتَطيعُ أَحَدٌ تَغْييرَها، مِثْلَ الجِرانيتِ الأَسْوَدِ عَلى السَّواحِلِ الفِنْلَنْدِيَّةِ.

ثُمَّ أَتَتِ السَّيّارَةُ — وَهِيَ نِصْفُ نَقْلٍ — وَضَعَتْني فيها، وَضَعَتْني مِثْلَ أَيِّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ لِمُوَظَّفٍ يَقُومُ بِأَداءِ واجِبِهِ. صَعِدْنا أَكْثَرَ نَحْوَ الشَّمالِ، إِلى مَدينَةٍ لَمْ أَسْتَطِعْ هِجاءَ اسْمِها أَوْ نُطْقَهُ، مِنْ كَثْرَةِ الحُروفِ الصَّوْتِيَّةِ الَّتي تَحْتَوِيها، وَعَدَمِ قُدْرَتي عَلى التَّمْييزِ بَيْنَ حَرْفِ الواوِ وَالأُو. شَيْءٌ غَريبٌ: كَيْفَ لِهَذِهِ المَدينَةِ أَنْ تَرْتَبِطَ بِشَيْئَيْنِ لا أَسْتَطيعُ تَمْييزَهُما أَبَدًا. كانَ شَيْئًا غَريبًا بِالنِّسْبَةِ لي؛ وَكانَ اسْمُها قَصيرًا جِدًّا وَصَعْبَ الفَهْمِ في آنٍ واحِدٍ.

في النِّهايَةِ وَصَلْتُ إِلى تِلْكَ المَدينَةِ، وَفي حَقيقَةِ الأَمْرِ وَصَلْتُ إِلى ذلِكَ المُعَسْكَرِ، أَوْ مَرْكَزِ الاِسْتِقْبالِ، أَوِ السِّجْنِ الكَبيرِ، مَهْما تُريدُ أَنْ تُسَمِّيَهُ. فَهُوَ كانَ بِالنِّسْبَةِ لَنا سَقْفًا نَحْتَمي بِهِ مِنَ المَطَرِ وَالبَرْدِ وَالرِّياحِ الَّتي تَميلُ بِالشَّجَرِ وَتَميلُ بِرُؤوسِنا إِلى الأَسْفَلِ، رَغْمَ القُبَّعاتِ وَالأَوْشِحَةِ الَّتي نَضَعُها حَوْلَ رِقابِنا، وَسُمْكِ القُفّازاتِ الَّتي نَرْتَديها.

بَدَأَتْ تِلْكَ الرِّحْلَةُ بِتَوْزيعِ القَليلِ مِنَ الأَرُزِّ وَالبَطاطا وَبَعْضِ الأَشْياءِ الَّتي اعْتَبَرُوها بَديلًا عَنِ المالِ الَّذي يَجِبُ صَرْفُهُ وَفْقًا لِلْقَواعِدِ وَالأَنْظِمَةِ المَعْمُولِ بِها. دَخَلْتُ إِلى المَطْبَخِ؛ مَكانُ المَطْبَخِ في البَهْوِ، وَالكُلُّ يَطْبُخُ مَعَ الكُلِّ. الكُلُّ يَسْتَفِيقُ بَعْدَ السّاعَةِ الثّالِثَةِ أَوِ الرّابِعَةِ عَصْرًا. ما زِلْتُ أَذْكُرُ كَلِمَةَ «حَيَوانٍ» بِالكُرْدِيَّةِ، حَيْثُ قالَها الَّذي سَوْفَ يُصْبِحُ صَديقي لاحِقًا، بِسَبَبِ طَريقَةِ إِعْدادي لِلطَّعامِ.

كانَ كُلُّ شَيْءٍ يَتَحَدَّثُ عَنْكَ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُراقِبُكَ، مِثْلَ الوُحوشِ في الأَقْفاصِ. نَعَمْ، وَبِكُلِّ بَساطَةٍ وَتَجَرُّدٍ وَمُباشَرَةٍ في الكَلامِ: نَحْنُ وُحوشٌ في أَقْفاصٍ. بَعْضُنا يَسْرِقُ الدَّرّاجاتِ الهَوائِيَّةَ، وَكانَتْ في هَذِهِ المَدينَةِ دَرّاجاتٌ هَوائِيَّةٌ كَثيرَةٌ، حَتّى إِنَّ أَحَدَهُمْ إِنْ فَقَدَ دَرّاجَتَهُ أَتى إِلى مَرْكَزِ الاِسْتِقْبالِ وَبَحَثَ عَنْها، وَغالِبًا ما يَجِدُها.

رَغْمَ ذلِكَ، كانَتْ لِهَؤُلاءِ الوُحوشِ — أَوِ القادِمينَ الجُدُدِ — مَواهِبُ شَتّى، وَكُنّا نُعْجَبُ بِالآخَرينَ. يا إِلهي، ما هَذِهِ المَوْهِبَةُ الَّتي تَجْعَلُ مِنْ شَخْصٍ يَأْخُذُ القَليلَ القَليلَ مِنَ المالِ لِيَكونَ ذلِكَ البَيْتُ الرّائِعُ؟ لَهُ مَوْهِبَةُ السَّرِقَةِ، تِلْكَ المَوْهِبَةُ الَّتي اسْتَعْصَتْ عَلى جَميعِ الأَقْفالِ، وَعَلى جَميعِ طُرُقِ الأَمانِ لِحِمايَةِ تِلْكَ الدَّرّاجاتِ. كانُوا بِكُلِّ بَساطَةٍ يَسْتَطيعونَ فَتْحَها وَأَخْذَها وَبَيْعَها وَأَخْذَ المالِ. لَقَدْ كانَ ثَرِيًّا حَقًّا، وَكُنّا مُعْجَبينَ بِهِ بِطَريقَةٍ أَوْ بِأُخْرى.

في هَذا المُجْتَمَعِ، أَنْتَ كَوَحْشٍ — عَفْوًا، كَمُهاجِرٍ جَديدٍ — فَإِنَّ النِّساءَ بِالنِّسْبَةِ لَكَ مِثْلَ أَيِّ شَيْءٍ تَسْتَطيعُ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَالمالُ عَلى الشَّجَرِ يَجِبُ عَلَيْكَ قَطْفُهُ وَتَخْزينُهُ وَإِرْسالُهُ إِلى بَلَدِكَ. بِهَذِهِ الطَّريقَةِ تَسْتَطيعُ أَنْ تَكونَ في أَعْيُنِ أَقْرانِكَ ناجِحًا مُثابِرًا فاهِمًا لِما يَجولُ حَوالَيْكَ.

اسْتَمَرَّتْ حَياتي رَتيبَةً: أَخْرُجُ كُلَّ يَوْمٍ وَأَرْجِعُ كُلَّ يَوْمٍ. عادَةً أُحِبُّ المَكْتَباتِ، وَفي ذلِكَ اليَوْمِ تَعَرَّفْتُ عَلى تِلْكَ الفَتاةِ الَّتي كانَتْ بِالنِّسْبَةِ لي أَوَّلَ تَجْرِبَةٍ أَرَى فيها جَسَدَها: أَتَحَدَّثُ مَعَها وَأَذْهَبُ مَعَها. وَلَكِنَّ الحاجِزَ الدِّينِيَّ وَالأَخْلاقِيَّ كانَ واسِعًا وَعَريضًا وَطَويلًا، فَقَدْ مَنَعَني. وَبَعْدَ عِدَّةِ سِنينَ اخْتَفَى، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلّا أَطْلالُ المَدينَةِ، إِلّا أَطْلالُ الأَسْوارِ الَّتي تَقولُ بِشَيْءٍ مِنَ السُّخْرِيَةِ: إِنَّهُ كانَ هُنا كَبيرًا واسِعًا عَظيمًا.

شارك النص عبر واتساب

تعليقك يصل إلى الكاتب

اترك اسمك وبريدك وتعليقك — يصل مباشرة إلى بريد الكاتب، ولا يُنشر علنًا.