ما قبل الرحيل

خُذْ هُوِيَّتَكَ وَارْجِعْ إِلى بَيْتِكَ

14 سبتمبر 2026 — لقطة 9

مِنَ القِصَصِ العَجائِبِيَّةِ الَّتي لا يَسْتَطيعُ العَقْلُ تَخَيُّلَها، وَلا يَسْتَطيعُ الإِنْسانُ العاقِلُ تَصَوُّرَها، وَلا يَسْتَطيعُ الحالِمُ في نَوْمِهِ أَنْ يَتَنَبَّأَ بِها، هِيَ ما قُمْتُ بِهِ. لَقَدْ ذَهَبْتُ إِلى التَّجْنيدِ الإِجْبارِيِّ بَعْدَ سِنِينَ مِنَ الهُروبِ مِنْهُ. مِنْ عامِ 2001 إِلى عامِ 2011؛ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، قَرَّرْتُ أَنْ أُسَلِّمَ نَفْسِي إِلى شُعْبَةِ التَّجْنيدِ.

هَذِهِ الشُّعْبَةُ هِيَ الَّتي كانَتْ تَجْمَعُ المُجَنَّدينَ الشَّبابَ وَتُرْسِلُهُمْ إِلى التَّجْنيدِ الإِجْبارِيِّ، الَّذي كُنّا نُسَمِّيهِ بِالعَسْكَرِيَّةِ اخْتِصارًا. ذَهَبْتُ، وَلَنْ أَنْسى ذلِكَ اليَوْمَ الَّذي ذَهَبْتُ فيهِ؛ كانَ في الشَّهْرِ الرّابِعِ، أَوِ العاشِرِ، أَوِ الحادِيَ عَشَرَ. وَكَتَبَ ذلِكَ المُوَظَّفُ: «بِما أَنَّكَ أَتَيْتَ بِنَفْسِكَ وَسَلَّمْتَ هُوِيَّتَكَ الشَّخْصِيَّةَ…»

— طَبْعًا، لَمْ يَكُنْ لَدَيْنا في ذلِكَ الوَقْتِ هُوِيَّةٌ شَخْصِيَّةٌ، إِنَّما تَذْكِرَةُ إِقامَةٍ مُؤَقَّتَةٌ لِلّاجِئِينَ الفِلَسْطِينِيِّينَ.

دائِمًا كُنْتُ أُشَدِّدُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ: أَنَّها مُؤَقَّتَةٌ، وَأَنَّها لِلّاجِئِينَ، وَأَنَّنا فِلَسْطِينِيُّونَ، وَأَنَّ الهُوِيَّةَ عِبارَةٌ عَنْ تَذْكِرَةِ إِقامَةٍ. هَذِهِ العِبارَةُ، «تَذْكِرَةُ إِقامَةٍ مُؤَقَّتَةٌ لِلّاجِئِينَ الفِلَسْطِينِيِّينَ»، كانَتْ تُعَبِّرُ عَمّا تَرَبَّيْتُ بِهِ، وَعِشْتُ عَلَيْهِ، وَغامَرْتُ بِهِ، وَعِشْتُهُ بِتَفاصِيلِهِ: بِحُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَجُنونِهِ وَعَبَثِيَّتِهِ، وَثِمارِهِ وَعَقْلانِيَّتِهِ، وَالسَّماءِ الَّتي بِها، وَالأَرْضِ الَّتي زَرَعَها، وَكُلِّ شَيْءٍ في كُلِّ شَيْءٍ.

قالَ لي: «خُذْ هَذا الدَّفْتَرَ» — وَكانَ دَفْتَرًا لِلتَّجْنيدِ الإِجْبارِيِّ — «وَخُذْ هُوِيَّتَكَ هَذِهِ، وَارْجِعْ في هَذا التّاريخِ». وَكَتَبَهُ بِيَدِهِ.

ما إِنِ انْتَهى مِنْ كِتابَتِهِ وَأَرْجَعَهُ إِلَيَّ، حَتّى خَرَجْتُ. وَلَنْ أَنْسى ذلِكَ الوُقوفَ: وَقَفْتُ بَعيدًا عَنِ المَبْنى وَقُلْتُ في نَفْسِي: «لَقَدْ كُتِبَ لَكَ عُمْرٌ آخَرُ».

أَعْتَرِفُ في ذلِكَ الوَقْتِ أَنَّ طَرَبَ الحَياةِ قَدْ تَمَلَّكَنِي، وَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَظْهَرَ في مَشْهَدٍ سِينَمائِيٍّ، مَعَ أَنَّهُ لا يُوجَدُ مُصَوِّرونَ، وَلا يُوجَدُ كاتِبٌ لِلسِّينارْيو. وَلَكِنْ في حَقيقَةِ الأَمْرِ، مَنْ كانَ يَكْتُبُ كانَ يَكْتُبُ بِدَمِي، وَمَنْ كانَ يَرْسُمُ المَشاهِدَ كانَ يَرْسُمُها بِمَشاعِرِي، وَمَنْ كانَ يُعَبِّرُ عَنْ هَذِهِ التَّفاصِيلِ كانَ يُعَبِّرُ عَنْ لَحَظاتِ عُمْرِي.

نَعَمْ، كانَ هُوَ، وَكُنْتُ أَنا ذلِكَ المُمَثِّلَ، مُعْتَزًّا، ذلِكَ القاتِلَ وَالقَتيلَ.

لَقَدْ ذَهَبْتُ لِأَقْتُلَ نَفْسِي، وَلَقَدْ ذَهَبْتُ لِأَقْتُلَ رُوحي، وَلَقَدْ ذَهَبْتُ لِأَقْتُلَ نَفْسِي، وَلَكِنِّي رَجَعْتُ بِرُوحي وَبِنَفْسِي، وَرَجَعْتُ بِحَياتي، وَقُلْتُ: «لَقَدْ كُتِبَ لي عُمْرٌ جَديدٌ، لَقَدْ كُتِبَ لي وَقْتٌ جَديدٌ، لَقَدْ كُتِبَ لي شَيْءٌ آخَرُ رائِعٌ في هَذِهِ الحَياةِ».

بَعْدَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ تَفَوَّقْتُ عَلى نَفْسِي. الهُروبُ مِنَ الشَّيْءِ لا يَنْفَعُ، وَلَكِنْ مَعَ قَبولِ الزَّمانِ وَقَبولِ الحَياةِ لَمْ أَكُنْ قَدْ تَعَلَّمْتُها. وَقِصَّتي مَعَ سَلْوى ما تَزالُ تُدْمِي رُوحي وَقَلْبي.

شارك النص عبر واتساب

تعليقك يصل إلى الكاتب

اترك اسمك وبريدك وتعليقك — يصل مباشرة إلى بريد الكاتب، ولا يُنشر علنًا.