وجوه المهاجر

نزار طه حاج أحمد

9 سبتمبر 2026 — لقطة 4

لعل ذلك الشخص الذي يعيش في تلك الجزر البعيدة، ويقرأ قصصًا من عمق الواقع الروسي، قد استوعب ألم الشتاء الذي يتجلى في حياة الإنسان، من احتراق ظروفه، من مشاعره المتوهجة، ومن تكويناته الجينية التي تؤثر على عواطفه الخصبة وأفكاره الغزيرة. ذلك الشخص، رغم بعده في أطراف القارة الأوروبية، يغوص في أدب روسيا العميق، ويصل إلى قلب أوروبا بروحه المستكشفة.

لقد تعلمتُ من هذا الإنسان، ومن صوته الرخيم، كيف أُشكّل في خيالي صورة دوستويفسكي. علمني ذلك الصوت كيف أفهم البرد القارس في سانت بطرسبورغ، رغم أنني عشت زمنًا في هلسنكي وشمال فنلندا حيث يمتد البرد السيبيري. لكن إحساسه، وطريقته في التفاعل مع النصوص، أخذاني إلى عالم آخر، عالم اكتشفته للمرة الأولى من خلاله.

كان صديقي، واسمه مازن، يقول: «عندما تقرأ كتابًا، فإنك تضيف عمرًا إلى عمرك.» لم أفهم تلك العبارة تمامًا إلا بعدما بدأت أكتشف الأدب الروسي من خلال صوت ذلك المذيع. صوته الرنان، ذلك القارئ البارع، يأخذك إلى عوالم خيالية: إلى تفاصيل الجريمة في رواية «الجريمة والعقاب»، وإلى الروح المبعثرة في «الأخوة كارامازوف».

ذلك الصوت لا ينقل الكلمات فقط، بل يتشرب الأدب بجمال صوته وهدوء أدائه، ويوصل المعاني بعمق وإحساس. وأتخيل في خيالي أنه لو كان دوستويفسكي على قيد الحياة، ولو كان يتقن العربية، لكان قد استمتع بالطريقة التي يقرأ بها ذلك الرجل، بنفس الطريقة التي أستمتع بها أنا.

كنت أمشي وأمشي، وأستمع إلى الفصول التي يقرأها ذلك الفنان. في بعض الأحيان، كنت أعاني من مشاكل وأشعر بحاجة ماسة للهروب، فأهرب إلى ذلك العالم الجميل، إلى ذلك العالم الأدبي الذي يمنحك متعة تضاهي الطيران. كنت أحيانًا أنظر إلى قدمي متسائلًا: هل أنا ما زلت على هذه الأرض، أم انتقلت إلى عالم آخر؟

بهذه الدرجة وأكثر، كنت أستمتع بفهم النصوص الأدبية من خلال قراءته. كان يعيد إحياء الكلمات المكتوبة منذ أكثر من مئتي عام، ويجعلها حية في عقلي وذاكرتي. بفضله، أحببت الأدب الروسي، وصرت أشجع الآخرين على حبه كما جعلني هو أحبه.

الأدب يمنحك خيالًا فوق خيالك. كأنك ترفع الأرقام إلى أسس متضاعفة. الخيال يتضاعف عندما يتحول النص من مجرد حبر أسود على ورق أبيض إلى عالم نابض بالحياة، يُضفي عليه القارئ من روحه، وجمال صوته، وعذوبة أدائه.

العمل الفردي في كثير من الأحيان يعكس هوية الفرد وقوته، وهذا المذيع الفنان يفعل الشيء ذاته. هو المبدع الذي، من تلك الجزر البريطانية، يأخذك في رحلة خيالية عبر الزمن، لتحلق في مكوك فضائي بين تفاصيل غرفة راسكولنيكوف أو حكايات بيلكين.

لهذا الشخص أهدي أعمق مشاعر المحبة، وأقول له: «أنت تشاركنا الروح والوحدة والغربة في هذا الأدب العالمي المترجم إلى العربية.»

شارك النص عبر واتساب

تعليقك يصل إلى الكاتب

اترك اسمك وبريدك وتعليقك — يصل مباشرة إلى بريد الكاتب، ولا يُنشر علنًا.