ما زِلْتُ أَذْكُرُ ابْتِسامَتَهُ الَّتي تُعَبِّرُ عَنْ بَلَهِهِ نَوْعًا ما، أَوْ كانَ ذَكِيًّا لِدَرَجَةٍ لَمْ أَعُدْ — أَوْ لَمْ أَتَمَكَّنْ — مِنْ فَهْمِها. عِنْدَما كانَ في المَرْحَلَةِ الثّانَوِيَّةِ، تَفَوَّقَ عَلَيَّ في دِراسَةِ البَكالورْيا، وَدَخَلَ ما كانَ يُريدُهُ بِمَجْمُوعٍ نَوْعًا ما عالٍ.
كانَ هَذا الشّابُّ مَزيجًا مِنْ مَرْحَلَةٍ مَضَتْ في حَياةِ مُجْتَمَعِنا، وَالَّتي كانَتْ تُعَبِّرُ عَنِ الزَّواجِ المُخْتَلِطِ بَيْنَ شِيعِيَّةٍ وَسُنِّيٍّ، وَتِلْكَ الحَياةِ الرَّغيدَةِ الهَادِئَةِ، المَزيجِ مِنَ الفَقْرِ وَاليُسْرِ، وَالعُسْرِ وَالسَّعادَةِ، وَالتَّحَدِّياتِ اليَوْمِيَّةِ في تَرْبِيَةِ الآباءِ وَالأَبْناءِ وَالأَحْفادِ.
فَأُمُّهُ كانَتْ مِنَ الطّائِفَةِ الشِّيعِيَّةِ، وَأَبُوهُ كانَ مِنَ الطّائِفَةِ السُّنِّيَّةِ، وَكانَ أَصْلُهُ مِنْ مِنْطَقَةٍ في القَلَمُونِ في سُورِيَا، تِلْكَ المِنْطَقَةِ المُخْتَلِطَةِ بِالمُهاجِرينَ مِنْ عائِلاتٍ أَتَتْ — عَلى ما أَعْتَقِدُ — مِنْ مِصْرَ أَوْ مِنْ هُنا وَهُناكَ، وَاسْتَوْطَنَتْ في النَّبَكِ. وَعَلى قَوْلَتِي مُحَمَّدٍ النَّبْكِيُّ بِفُكاهَةٍ مُباشِرَةٍ وَضِحْكَةٍ يَتَمَيَّزُ بِها: قالَ ساخِرًا: «عُرِضَ عَلى الحِمارِ أَنْ يُصْبِحَ نَبْكِيًّا، فَرَفَضَ». — في انْتِقادٍ وَاضِحٍ لِلنّاسِ الَّذينَ يَأْتُونَ مِنَ النَّبَكِ.
هَذا الشّابُّ، الَّذي وُلِدَ كَأَصْغَرِ إِخْوَتِهِ — وَكانَ الفَرْقُ العُمْرِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَكْبَرِ إِخْوَةٍ لَهُ يُناهِزُ العِشْرينَ عامًا — خافَتْ أُمُّهُ عِنْدَ وِلادَتِهِ أَنْ يَكونَ مُشَوَّهًا، وَتَمَنَّتْ أَنْ يَكونَ فَتاةً. لَكِنَّها ارْتَبَطَتْ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِدَرَجَةٍ عالِيَةٍ، حَتّى إِنَّها قَبْلَ مَوْتِهِ كانَتْ تَذْهَبُ مَعَهُ إِلى أَقْصَى نُقْطَةٍ تَسْتَطيعُ أَنْ تُوَصِّلَهُ إِلَيْها، قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ — وَفْقًا لِلنّاسِ المَوالينَ لَهُمْ.
ما أَزالُ أَتَذَكَّرُ مَشْهَدَ رَفْعِ التّابُوتِ في ساحَةِ مَنْزِلِهِ، وَالَّذي كانَ حَوْشًا أَوْ بَيْتًا يَضُمُّ عِدَّةَ بُيوتٍ. كانَتْ هَذِهِ هِيَ الطَّريقَةُ الَّتي يَسْكُنُ بِها النّاسُ في حَيِّ اليَهُودِيِّ في دِمَشْقَ، حَيْثُ كانَ هَذا الحَيُّ يُفَرِّغُ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ ساكِنِيهِ، مِنَ اليَهُودِ، وَيُصْبِحُ مَلِيئًا بِالفِلَسْطِينِيِّينَ المُهاجِرينَ المَطْرودينَ مِنْ دِيارِهِمْ غَصْبًا، وَمِنَ السُّورِيِّينَ المَطْرودينَ أَيْضًا، بِحُكْمِ الفَقْرِ، وَبِحُكْمِ تَمَرْكُزِ السُّلْطَةِ، وَبِحُكْمِ الحاجَةِ إِلى لُقْمَةِ العَيْشِ. كانَ النّاسُ يَنْتَقِلونَ مِنَ القُرى وَالمُدُنِ البَعِيدَةِ عَنْ دِمَشْقَ لِيَسْكُنُوا في أَيِّ شَيْءٍ داخِلَ دِمَشْقَ، فَكانَ الحَيُّ اليَهُودِيُّ مِنَ المَناطِقِ الَّتي سُكِنَتْ بِسَبَبِ هاتَيْنِ الهِجْرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ مَلَأَتاهُ. وَأَصْبَحَ المُهاجِرونَ في حالَةِ صِراعٍ فِيما بَيْنَهُمْ.
وَبِسَبَبِ قُدْرَةِ أُمِّهِ عَلى تَطْفِيشِ النّاسِ، اسْتَطاعَتْ أَنْ تَطْرُدَ العائِلَةَ الفِلَسْطِينِيَّةَ، وَاسْتَطاعَتْ أَنْ تَأْخُذَ الحَوْشَ أَوِ البَيْتَ الكَبيرَ لَها وَلِعائِلَتِها وَحْدَها، وَالَّتي كانَتْ تَضُمُّ حَماتَها وَعِدَّةَ أَشْخاصٍ مِنْ أَخَواتِ زَوْجِها.
رُفِعَ التّابُوتُ الَّذي كانَ مُسَجّىً فيهِ عَلاءُ، بَعْدَ صِراعٍ بَيْنَ الحَياةِ وَالمَوْتِ، بِسَبَبِ شَظِيَّةٍ ضَرَبَتْ كَبِدَهُ. كانَ ذلِكَ المَشْهَدُ، حِينَ رَفَعَهُ إِخْوَتُهُ عالِيًا، يُعَبِّرُ عَنِ التَّحَدِّي، وَالقُوَّةِ، وَاقْتِرابِ النَّصْرِ — بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ — وَأَنَّ النَّصْرَ آتٍ، وَأَنَّ التَّضْحِياتِ لا وَزْنَ لَها، وَلا مَحَلَّ لَها في تَقْييمِنا لِلْوُصولِ إِلى الأَهْدافِ.
هَذا كانَ لِسانَ حالِهِمْ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ الصَّبْرَ وَالاِنْتِظارَ في سَبيلِ تَحْقيقِ الأَهْدافِ، خُصوصًا أَنَّهُمْ كانُوا يَعيشُونَ في وَسَطٍ شِيعِيٍّ ما يَزالُ يَتَبَلْوَرُ حَوْلَ الحِزْبِ — حِزْبِ اللهِ — وَما يَزالُ يَتَبَلْوَرُ حَوْلَ الدَّوْلَةِ القَوِيَّةِ، وَالدَّوْلَةِ المَنيعَةِ، وَالدَّوْلَةِ الَّتي تَنْتَصِرُ، عاجِلًا أَمْ آجِلًا، بِتَضْحِياتِ أَبْنائِها الشُّرَفاءِ، وَبِإِخْلاصِهِمْ، وَبِدِمائِهِمْ، وَبِإِخْلاصِ الأُمَّهاتِ، وَدُمُوعِهِنَّ عَلى أَبْنائِهِنَّ.
كانُوا يُوقِنونَ بِالنَّصْرِ، وَلِذلِكَ رَفَعُوا التّابُوتَ عالِيًا، بِقُوَّةِ الأَذْرُعِ، وَبِقُوَّةِ العَدَدِ، وَبِقُوَّةِ النّاسِ الَّذينَ تَجَمَّعُوا حَوْلَهُمْ، وَهُمْ يَتَحَدَّوْنَ الواقِعَ، وَيَتَحَدَّوْنَ المُسْتَقْبَلَ، وَيَتَحَدَّوْنَ الماضِيَ، وَهُمْ عَلى قَناعَةٍ تامَّةٍ بِالاِنْتِصارِ الحَتْمِيِّ تَحْتَ قِيادَةٍ لا تَتَزَعْزَعُ: قِيادَةِ حِزْبِ اللهِ الشِّيعِيَّةِ، وَقِيادَةِ الدَّوْلَةِ. وَإِنْ كانُوا يُخْفُونَ — أَوْ يَتَناسَوْنَ — أَوْ أَنَّهُمْ مُغَيَّبُونَ، فَإِنَّ مَنْ يُعْطِي الأَوامِرَ، وَيُسَيِّرُ الجُيوشَ، وَيُقيمُ العَلاقاتِ العالَمِيَّةَ وَالمَحَلِّيَّةَ، هُمُ العَلَوِيُّونَ، الَّذينَ يَصوغُونَ هَذا الاِنْتِصارَ الباهِرَ، المُكَلَّلَ بِدِماءِ الشُّهَداءِ.
ذَهَبَ عَلاءٌ، وَبَقِيَ عَلاءٌ في بَطْنِ أُمِّهِ. كانَ يَسْعى لِإِنْجابِ طِفْلٍ، جَلَسَ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ دُونَ أَنْ يُرْزَقَ بِأَطْفالٍ، وَكانَ يَجْتَهِدُ، لَكِنَّهُ حُرِمَ مِنْ رُؤْيَةِ طِفْلِهِ. فَسُمِّيَ الطِّفْلُ «الوَلِيدَ» عَلى اسْمِهِ. يُشْبِهُهُ شَبَهًا عَجيبًا، كَأَنَّهُ نُسْخَةٌ مِنْهُ. قالَتْ زَوْجَتُهُ لِعائِلَتِهِ: «أَنا مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ مِنِّي، لا تَتْرُكونَني، وَلا أَتْرُكُكُمْ، وَلَوْ بَعْدَ أَنْ رَحَلَ عَلاءٌ الكَبيرُ».
رَحَلَ عَلاءٌ، بَعْدَ أَنْ كَتَبَ عَلى مَواقِعِ التَّواصُلِ الاِجْتِماعِيِّ رِثاءً حارًّا جاءَ فيهِ:
«إِلى أَهْلِي، وَأَصْدِقائِي، وَقَوْمِي، وَعَشيرَتي: إِنَّ اللهَ باقٍ، وَإِنَّ اللهَ هُوَ الأَساسُ، وَإِنَّ ما تَعيشُونَهُ مِنْ زُخْرُفٍ وَزِينَةٍ وَزَيْفٍ سَيَمْضي، وَلا يُساوي الآخِرَةَ أَبَدًا، وَلا يَزِنُ قَطْرَةً مِنْ حَياتِي الأُخْرَوِيَّةِ. هَذِهِ الدُّنْيا لا وَزْنَ لَها، وَهَذِهِ الدُّنْيا لا قِيمَةَ لَها في حَياةِ البَشَرِ المَديدَةِ بَعْدَ هَذِهِ الدُّنْيا».
كانَتْ كَلِماتُهُ المُؤَثِّرَةُ، وَمَوْتُهُ الَّذي وَصَفُوهُ بِالاِسْتِشْهادِيِّ، قَدْ أَطْلَقَ مَوْجَةً مِنْ مَوْجاتِ الإِيمانِ بِقُدْسِيَّتِهِ، وَبِرِفْعَةِ شَأْنِهِ، وَبِمَكانَتِهِ. نَعَمْ، أَصْبَحَ قِدِّيسًا، بَعْدَ أَنْ كانَ ذلِكَ الفَتَى الأَبْلَهَ، الَّذي كانَ يُقَلِّدُ سُوبَرْمانَ، وَيُقَلِّدُ أَفْلامَ الكَرْتونِ، بَعْدَ السّاعَةِ 4:45 مَساءً، عِنْدَ الاِنْتِهاءِ مِنْ فَتْرَةِ أَفْلامِ الكَرْتونِ عَلى القَناةِ الأُولى.
لَكِنْ حالَةُ القِدِّيسِيَّةِ لَمْ تَدُمْ، فَقَدْ قالَتْ أُمُّهُ ذاتَ يَوْمٍ: «لَقَدْ ذَهَبَ بِبَلاشْ!».
يا لَعَجائِبِ الإِنْسانِ، وَيا لَعَجائِبِ التَّشَفِّي بِالمَوْتِ بَيْنَ بَني البَشَرِ. بِالأَمْسِ كانَ قِدِّيسًا، عِنْدَما كانَتِ الكَفَّةُ راجِحَةً لِهَذا الطَّرَفِ، وَاليَوْمَ أَصْبَحَ مَيِّتًا «بِبَلاشْ»، مِنْ دُونِ قِيمَةٍ، وَمِنْ دُونِ وَزْنٍ، عِنْدَما مالَتِ الكَفَّةُ لِلطَّرَفِ الآخَرِ.
لَيْسَ المُهِمُّ مَنِ انْتَصَرَ أَوْ هُزِمَ، لَكِنَّ المُهِمَّ: مَنْ بَقِيَ مِنَ البَشَرِ؟ ما كانَ مَوْقِفُهُمْ؟ وَما الَّذي بَقِيَ مِنْهُمْ مِنْ قِيمَةٍ؟ بَعْدَ أَنْ فَنِيَ البَشَرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَبَقِيَتْ ثُلَّةٌ مِنَ النّاسِ، ماذا بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ الإِنْسانِ؟ بَعْدَ تَواصُلِهِ مَعَ الإِنْسانِ، ماذا بَقِيَ مِنَ الإِنْسانِيَّةِ؟
هَذا السُّؤالُ… لا إِجابَةَ لَهُ بَعْدَ انْتِهاءِ الحُروبِ. وَهَذا الجَوابُ… وَتِلْكَ الأَسْئِلَةُ… لا يَسْتَطيعُ المُنْتَصِرُ، أَوِ المَهْزُومُ، التَّحَدُّثَ بِها. وَلا مَنْ يَسْتَطيعُ أَنْ يُفَكِّرَ بِها، يَسْتَطيعُ أَنْ يَصِلَ إِلى المُسْتَقْبَلِ.
لَعَلَّ هُناكَ بَشَرًا ماتُوا جَسَدًا، وَهُناكَ بَشَرًا ماتُوا… رُوحًا.
معتز عمرين